تسعة للنشر والميديا

بعض مما يتعلق بالكلمة... العبث والجديّة

أيهما أهم للكاتب، الواقع أم الخيال؟

تعلم سيناريو

 يعيش الإنسان طوال حياته تحت تأثير عالمين مختلفين تماماً، وأحياناً متناقضين: عالم واقعي ملموس يحدث أمامه يومياً، وعالم خيالي يدور داخل عقله. لا يوجد إنسان محروم من الخيال، كما لا يوجد إنسان لا يتأثر بسبل عيشه وواقعه. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على طاولة كل مبتدئ: أين يقع كاتب السيناريو بين هذين العالمين؟ وأيهما يمتلك الأهمية الكبرى لصناعة نص سينمائي مبدع؟

كيف تعرف أنك كاتب سيناريو؟ 

الواقع أم الخيال

قبل أن تنتظر من الآخرين تقييم موهبتك وإخبارك بأنك كاتب حقيقي، عليك أولاً أن تكتشف ذلك بنفسك.
إذا كنت من الأشخاص الذين يُغلّبون الواقع الجاف على الخيال، أو ممن يقمعون الأفكار والصور العابرة في عقولهم ويرفضون تقبلها، فربما تكون مهنة الكتابة والتأليف صعبة عليك أو غير مستحبة لشغفك. فالكتابة لا تطالبك بإلغاء الخيال، بل ترتكز على مدى سعة هذا الخيال، ومدى استجابتك له، وقدرتك على التحكم به دون إغفال الواقع الذي انطلقت منه.
السيناريو: الكتابة بالصورة الحية
وفقاً لمنظر السيناريو الشهير سيد فيلد، فإن السيناريو هو الكتابة بالصورة. وهنا يكمن الاختلاف الجوهري بين كاتب السيناريو والروائي:
  • الروائي: يكتب قصته بالكلمات، ليخلق واقعاً يتخيله القارئ في عقله وقلبه.
  • كاتب السيناريو: يكتب واقعاً حياً يراه المشاهد بعينيه ممتداً على الشاشة.
لذلك، الإجابة عن سؤال "أيهما أهم: الواقع أم الخيال؟" لا تكمن في اختيار أحدهما أو إحداث توازن منخفض بين خيال محدود وفهم سطحي للواقع، بل المطلوب من الكاتب الحقيقي هو امتلاك خيال واسع متزامن مع فهم عميق وشامل للواقع المعاش، وهو أمر يصقل بالخبرة والتجربة الحياتية ولا يرتبط بعمر الكاتب إطلاقاً.
المراحل الثلاث لتشكيل المشهد السينمائي
تعتمد آلية صياغة السيناريو عند الكاتب على دمج الخيال بالواقع عبر ثلاث مراحل أساسية:
  1. مرحلة الالتقاط: أخذ الفكرة أو الموقف مما يحدث أمامك في الواقع الفعلي.
  2. مرحلة المعالجة: الاستعانة بسعة الخيال لتطوير وتحديث وتعديل ما تم أخذه من الواقع.
  3. مرحلة الطرح النهائي: تقديم ما أنتجه خيالك في قالب "واقع افتراضي" يراه الجمهور كفيلم أو مسلسل.

الخيال الدرامي.. كيف نراه؟

الخيال في عالم السيناريو ليس مجرد تصورات طفولية غير منطقية؛ بل الخيال هو رؤية الواقع بشكل أكثر اتساعاً وبحيادية كاملة قدر الاستطاعة.
لنأخذ مثالاً من الواقع المعاش:
إذا شاهدت خلافاً زوجياً واقعياً، وكان كل طرف متمسكاً برأيه، وتوفرت لديك القدرة على استيعاب وجهة نظر الزوج والزوجه معاً، وفهم خلفياتهم البيئية والنفسية (ما يُعرف درامياً بـ تاريخ الشخصية)، فأنت مؤهل للكتابة. الخيال هنا يتدخل ليجعلك ترى عشرات الاحتمالات للمشكلة: هل تتصاعد لتتحول إلى جريمة أو خيانة؟ أم تنحرف لتصبح موقفاً كوميدياً طريفاً؟ أنت من يعيد صياغة الواقع بقالب درامي مغاير للاحتمال الوحيد الذي حدث أمامك، بناءً على سعة أفقك ومخيلتك.
إعادة بناء الحكايات (تطبيق على قصة بائعة الكبريت)
الواقع ليس النبع الوحيد للكاتب، بل الأعمال الفنية الأخرى من روايات وأفلام يمكن أن تحفز خيالك إذا رفضت الاستسلام لنهاياتها الجاهزة باللاوعي.
لو أخذنا القصة الشهيرة بائعة الكبريت التي تنتهي بموت الطفلة برداً، وتدخل خيالك لإنقاذها عبر رجل ثري يتبناها، ثم قمت بتوسيع الخط الدرامي (على الطريقة الهندية المليئة بالتشابك):
  • يتضح أن الثري تبناها لأنها تشبه ابنته المتوفاة مسمومة بسبب عدوه اللدود قبل سنوات طويلة.
  • تكبر الفتاة، وتتمرد على هذا الثري، وتهرب مع عشيقها السري الذي يتبين أنه ابن نفس العدو اللدود الذي تسبب في فقدانه لفتاته الأولى.
هنا، يقع الثري في مأساة "الفقد" مجدداً (بين الموت سابقاً والهروب حالياً). هذا الالتواء الدرامي حافظ على شيئين أساسيين:
  1. الوفاء لتاريخ الشخصية: فما يخشاه هذا الثري وما لم يستطع نسيانه عاد ووقع فيه.
  2. الوفاء لتحولات الشخصية: الفتاة الفقيرة أفسدها الدلال فتحولت إلى إنسانية قاسية وأنثى أنانية عندما كبرت، وهذا يتسق درامياً مع قسوة طفولتها السابقة ووالدها الحقيقي الذي تركها في البرد القارس يوماً ما.
خلاصة القول
الواقع والخيال أداتان متوفرتان لدى الجميع، لكن سعة الخيال وعمق فهم الواقع بشكل أوسع هما السلاح الحقيقي لكاتب السيناريو المحترف. وحينما تقرر كيف ستكون قصتك وتستعين بخيالك لرسم واقع بديل، فإنك تصنع عملاً يراه الملايين ويتأثرون به في النهاية.

حسن مصطفى

روائي وسيناريست. أهتم بتطوير البناء الدرامي وكتابة النصوص الأدبية والسينمائية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

◀ المشاركات القديمة